لتحميل مقال العقاب التاذيبي والعقاب التدميري ادخل على الرابط التالي
https://www.mediafire.com/download/sbqtru6tmoxaqhy
التأديب
القسم: ومن الآخر
{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }
/الروم/
*
{ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأدنى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }
/السجدة/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عندما يطغى البشر في الميزان
و يتفشى في المجتمعات البشرية الظلم و الفساد و ارتكاب المعاصي و الكبائر و المجاهرة بها
يأتي أولاً العقاب الإلهي التأديبي على طغيان الجماعات والأمم والدول ، و الغاية من العقاب في هذه المرحلة ليس اهلاك القرى و الدول ، و انما هو رجوع الناس الى الميزان
وانا سأتكلم هنا عن قوانين الله التأديبية الخاصة بـ ((الجماعات و القرى و الأقوام ))
وليس عن تصاريفه الخاصة بالإنسان الفرد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالعقاب الإلهي الحليم الخاص بالجماعات و القرى يكون – عادةً - عقاباً على مرحلتين:
المرحلة الأولى: هي مرحلة البلاء أو التأديب ، أو مرحلة الْعَذَابِ الأدنى
و المرحلة الثانية: هي مرحلة الفناء أو التدمير ، أو مرحلة الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرحلة العذاب الأدنى أو العقاب التأديبي قد تطول ، لأن الله حليم و يعطي الناس الفرصة تلو الفرصة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
فإن لم ترجع المجتمعات العاصية عن عصيانها و استمرت في الطغيان و التجاهل و التكذيب ،
فتطرفت عمودياً في جورها وفسادها وتطاولت بالظلم و تفاخرت به و جمّلته وبرّرته بقوانين وضعية ، و حللت الفساد، وعلت علواً كبيراً ...
أو تطرفت أفقياً فحاولت تعميم الفساد وفرضه على المجتمعات الأخرى و (عولمة ) قيم الاعوجاج مع محاربة المعروف و ترويج المنكر، أو نشر الانحلال ؛ عندئذٍ تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة الطوارئ
، أو مرحلة العذاب الأكبر والتي سيكون فيها العقاب التدميري .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في العقاب التدميري يتجلى الله فيه باسمه الجبار
ولا يكون - عادةً - العقاب القاصم من جنس العمل ، وانما يتجلى فيه مكر الله ، و يؤتى الحذر من مأمنه .
وهذه المرحلة لا تطول كثيراً ، وفي معظم الأحيان تكون خاطفة ، لأن الغاية من العقاب ليس رجوع العصاة و انما الاستئصال
ولكن ..
ولأن رحمته سبقت غضبه سبق الله مرحلة التدمير بعلامات و آيات يعلمها و يفهمها - فقط – أصحاب البصائر ..
يفهمها فقط قوم يعلمون.
وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمّا في العقاب التأديبي و الذي سأخصص مقال اليوم للحديث عنه ، فيتجلى الله فيه باسمه اللطيف الحليم
ويكون العقاب - عادةً - من جنس العمل ، وبما كسبت أيدي الناس ، وذلك كي يسهل على القرى و المجتمعات الظالمة و العاصية فهم طبيعة معصيتهم كي يتوبوا منها ، وكي يفهم العصاة ان العقاب نتيجة ما عملوا و تتاح لهم فرصة الرجوع
.
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ :
1. لَمْ تظهر الفاحشة فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا
2. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ
3. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا
4. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ
5. وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ
/ رواه ابن ماجه ( 4019 )، و أبو نعيم في " الحلية " ،
و الحاكم في المستدرك على الصحيحين ( 4 / 540 ) ، والألباني في السلسلة الصحيحة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في هذا الحديث الجامع يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خمسة قوانين الهية ((( تأديبية ))) يتعامل وفقها الرب مع عباده عندما تنحرف سلوكياتهم كجماعات عن الصراط المستقيم في هذا العصر ، و في كل عصر
و المادة الأولى من قانون العقوبات التأديبي الاعتيادي:
1. لَمْ تظهر الفاحشة فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في هذه المادة يقضي القانون التأديبي لرب العالمين أن السبب الحقيقي للأمراض الجديدة التي لم يكن يعرفها أسلافنا و الأوبئة الكثيرة التي ظهرت مؤخراً كالإيدز و السفلس و السيلان ، و غيرها من الأمراض المنتقلة عن طريق الجنس، هو انتشار الفاحشة و المجاهرة بها...
أما التفسيرات الطبية بأن سبب اجتياح هذه الأمراض هو حدوث تغيرات بنيوية أضعفت الجهاز المناعي للإنسان و جعلته أكثر عرضة للأمراض فهذا سبب ظاهري ، أو نتيجة للسبب الحقيقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المادة الثانية من قانون العقوبات التأديبي الاعتيادي :
2. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأقوياء و ذوي السلطان هم مجرد عصا بيد الرحمن ينتقم الله بهم ، ثم ينتقم منهم
و من أسباب جور الحكام المسلمين - والعرب بخاصة - على شعوبهم هو انتشار الغش و الرشوة بين الناس و أكلهم حقوق بعضهم البعض
فعندما ينقص الميزان في التعاملات بين البشر سواء التجارية أو الاجتماعية كالعلاقات بين الأزواج ، أو عدم العدل بين الأبناء ؛ أو حرمان الإناث من الميراث ، عندئذ يسلط الله عليهم حكاماً قساة فاسدين لا يعرفون الرحمة ، و يؤدبون بالسنين القاسية و انعدام الرخاء
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ:
"أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا، مَالِكُ الْمُلُوكِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ فِي يَدِي، وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا أَطَاعُونِي حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا عَصَوْنِي حَوَّلْتُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْطَةِ وَالنِّقْمَةِ فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، فَلا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْمُلُوكِ، وَلَكِنِ اشْتَغِلُوا بِالذِّكْرِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيَّ أَكْفِكُمْ مُلُوكَكُمْ "
/ الطبراني في الأوسط ، وغيره /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المادة الثالثة من قانون العقوبات التأديبي:
3. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالسبب الحقيقي للقحط و الجفاف الذي أصاب معظم البلاد العربية في السنوات الأخيرة ليس الانحباس الحراري و لا التغيرات المناخية ، فما سبق هو سبب ظاهري أو نتيجة للسبب الحقيقي ، و هذا السبب هو شح و بخل الأغنياء في أداء فريضة الزكاة و أكل حقوق الفقراء التي أعطاهم إياها الله
وما التغيرات المناخية في العالم إلا جندي من جنود الله يرسل به انذاراً للناس عن تفشي البخل و الشح و قطع الزكاة و الصدقات
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)
/الأعراف/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المادة الرابعة:
4. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا رأيت اليوم تكالب الأعداء الخارجيين على بلاد المسلمين لنهب ثرواتهم و الاستيلاء على أجزاء من أراضيهم بالاحتلال المباشر أو غير المباشر ، اعرف أن هذا نتيجة لنقض عهد الله و رسوله .
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)
وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)
/ الأعراف /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدأ الله هذا الجزء من الآيات بالإشارة إلى الذين يرثون الأرض من بعد أهلها
و ختمها بقوله : وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ
فتأملوا ، وتدبروا يرعاكم الله!!!
فما أكثر ما نـقض عهد الله و رسوله في البلاد الإسلامية طيلة الحكم الجبري و بشكل صارخ و بمنتهى الوقاحة
و الأمثلة أكثر من أن تحصى ، بل للأسف هذه هي القاعدة اليوم في سياسات جميع الدول الإسلامية بدون استثناء ولو بدرجات متفاوتة .
فنقض "عهد الله و رسوله" كتبت على أساسه دساتير جميع جمهورياتنا و ممالكنا الجاهلية
من ترسيخ للوطنية المصطنعة ، و قطع لحبل الله الذي يربط بين أبناء الأمة ،
إلى العصبيات الجاهلية التي تتحكم بالقطعان البشرية المسماة ( بالمواطنين )
إلى القوانين الوضعية التي تعزز التفرقة و العنصرية بين المسلمين ، إلى التشريعات التي تأمر بالمنكر و تنهى عن المعروف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المادة الخامسة:
5. وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تطبيق الشريعة معطل تماماً في معظم الدول الإسلامية ، و في أحسن الأحوال هي (إحدى مصادر التشريع ) ويقتصر تطبيقها على قوانين الأحوال الشخصية أحياناً
أما تطبيق الشريعة في الاقتصاد و التعاملات التجارية التي تمنع الربا و الاحتكار و إدارة الثروات القومية ، فهي غائبة تماماً
وكذلك في عالم المال و صك العملة الورقية الوهمية و استبعاد الذهب و الفضة من القيام بوظيفته كعملة حقيقية ذات قيمة .
أيضاً تطبيق الشريعة يُحارب بكل شراسة و ضراوة في عالم الحكم والسياسة : سواء في اعتماد نظام الشورى أو السعي لاستعادة الشكل الاسلامي لنظام الحكم الرشيد (أي الخلافة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بل حتى بين الفرق و الجماعات الاسلامية هناك تخيّر و انتقائية في تطبيق شرع الله ، فكل فريق يأخذ من الشريعة الكاملة ما يلائم هواه
فإذا رأيت المسلمين اليوم صار بأسهم فيما بينهم ، وكل فريق يقاتل الفريق الآخر ، وكل طائفة تكفر الطائفة الأخرى ؛ اعلم أن السبب الحقيقي ليس المؤامرات الدولية فهذه نتيجة للسبب الحقيقي
السبب الحقيقي هو عدم الحكم بكتاب الله ، أو الإيمان ببعض الكتاب و الكفر ببعضه الآخر
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ ((( يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ))) ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)
/ الانعام/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القوانين السابقة هي قوانين إلهية ثابتة و ((( اعتيادية ))) سارية المفعول في هذا العصر و في كل العصور ، و ليست قوانين طوارئ
و العقوبات على انتهاك حرمة هذه القوانين هي عقوبات تأديبية أو تربوية ، وليست عقوبات تدميرية ، أو حكم بالإعدام ، لأن الغاية النهائية من التأديب هو ((( الرجوع ))) إلى المنهج الصحيح المتوازن
{ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأدنى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }
و التأديب كما رأينا هو من جنس العمل و قريب له
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لننتقل الآن أكثر إلى عصرنا الحالي ، والى أمثلة معاصرة ، و لنسأل انفسنا سؤالاً (افتراضياً ) كي نفهم أكثر العقاب التأديبي
إذا أراد الرب أن يؤدب اقليم او بلد ما ( والبلد في لغة القرآن يسمى قرية )
فكيف يكون تأديب بلد بأكمله ؟
و ألا يمكن أن توجد قرية او بلد هي في حالة استثناء عن العقاب التأديبي؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دعوني أضرب لكم مثلاً ضربه الله سبحانه و تعالى في القرآن
لنفترض أن قرية ما (أو قرى) أنعم الله عليها بنعمتين كبيرتين ..
النعمة الأولى هي نعمة الأمان و الاطمئنان ، و النعمة الثانية هي نعمة الرزق الوفير بشتى أشكاله.. سواء الرزق المادي أو المعنوي
{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) }
/ النحل/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك مستويات مختلفة لفهم الأمثلة التي يضربها الله تعالى في القرآن الكريم
المستوى الأول و الشائع يفهم أن المقصود بهذه القرية هو الإطلاق ، يعني : أي قرية بدون تحديد ، وهذا المستوى من الفهم صحيح طبعاَ ، فالقانون الإلهي الذي يسنه الله في هذا المثل ينطبق على أي قرية أنعم الله عليها بنعمتي الرزق و الأمان
لكن هناك مستوى أعمق لفهم المثل القرآني ، وهذا المستوى يفهم أن الله سبحانه و تعالى يشير الى الخاص جداً و يقصد به التعميم ، أو يشير به الى الجزء الغالي المصطفى ، الجزء المكرم ، و يقصد به الكل.
فما ينطبق على الجزء الخاص الحميم من باب أولى أن ينطبق على ما هو دونه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فما هي هذه القرية المكرمة التي ضرب الله بها المثل كي يحذر بقية الناس من بطشه الشديد ، و أنه ليس بينه وبين عباده نسباً إلا الطاعة ؟؟؟
ما هي هذه القرية التي جعلها الله مضرباً للمثل و قبلة للعظة و الاعتبار ؟
وتذكروا أن لفظ قرية في لغة القرآن يطلق بشكل أوسع على البلد و الإقليم .
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه القَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً : أي أنه - سبحانه - جعلها بلداً آمناً
والقرية يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ : أي أنه - سبحانه - جعل أفئدة من الناس تهوي اليها و رزق أهلها من الثمرات.
فجعل - مثلاً – موقعها الجغرافي ملتقى للطرق التجارية ، فكانت الرحلات الدورية في الصيف و الشتاء تذهب من هذه القرية الى قرية يمانية عن يمينها و قرية أخرى شمالية عن شمالها ، فانهالت عليها البضائع ، و أطعمها الله من جوع و آمنها من خوف.
هل عرفتم هذه القرية ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لنفترض الآن أن الله عزز عطاءه و كرمه في نعمتي الأمان و الرزق على هذه القرية ( أو القرى ) فحماها بحدود طبيعية يصعب على الغزاة اجتيازها كبحار واسعة من ثلاث جهات ، وصحراء شاسعة من الجهة الرابعة ، و أعطاها جاه ومكانة معنوية و ثقافية كبيرة ، ونفوذ روحاني عظيم ، ووصل الله في عطاءه و كرمه أنه - سبحانه – تكلم بلغتها و أنزل فيها كتاباً سماوياً لكل الناس
واستمر في عطاءه حتى النهاية – و الله إذا أعطى أدهش- فوضع في باطن أرض هذه القرية ثروة كبيرة تصدرها و تعود على اقتصادها بعائدات ضخمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن لنفترض - مثلاً - أن هذه القرية المكرمة قابلت نعمتي الرزق و الأمان بالكفر والعصيان
فهدرت الأموال عل سفاسف الأمور ، ولم تحدث تنمية حقيقية في المجتمع بما يرضي الله ، ولم تستثمر المال استثماراً رشيداً في بناء الانسان المسلم ، ولم تساعد المحتاجين و الجوعى من اهل الرحم و الجوار ، ولم تستخدم هذه الثروة في تحصين نفسها و خدمة دين الله و لا عباده و تقوية شوكة الاسلام
فكيف يمكن أن يؤدب الله أهل هذه القرية ، أو القرى ، أو .... أم القرى !!؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواب :
فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ.
و لماذا يا رب تذيقها لباس الجوع و الخوف بعد إن كنت قد أطعمتهم من جوع و آمنتهم من خوف ؟
الجواب :
بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعم ، عندما تكفر بنعمة الرزق فالتأديب سيكون هو من جنس العمل إنه لباس الجوع و الفقر
و عندما تكفر بنعمة الأمان و الاطمئنان فالعقاب من جنس العمل وهو لباس الخوف و الحروب.
و الغاية من العقاب التأديبي في هذه المرحلة هو (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
لكن ...
كيف يمكن أن يحدث لباس الجوع و الخوف ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد يبدأ بضائقة اقتصادية تهبط فيها اسعار براميل كنزها الذي تصدره إلى القرى في الغرب و الشرق ، أو يخف الطلب العالمي عليه من قبل القرى الصناعية لوجود بدائل
، او يأتي حاكم قرية عظمى بلطجي و عنصري و يهدد بمصادرة التريليونات من أرصدتها و المكدسة في بنوكه
أو يقيم قواعده على اراضها و يبتزها كي تدفع له ثمن احتلاله
أو يأتيها تهديد من القرية الشرقية من الولي الفقيه الذي يغذي شبيحته و مراق الأفاق و خشارة الناس برغبة همجية كي يقتلون اهل هذه القرية قتلا لم يقتله قوم قط
أو تنهار العملة الورقية و تفقد معظم ثروتها بين ليلة وضحاها
او غير ذلك ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن المهم ان لا ننسى ان الغاية من التأديب في هذه المرحلة ليس اهلاك القرية ، و انما... لعلهم يرجعون
الحل الحكيم الوحيد أمام هذه القرية هو ان تفهم الرسالة الحقيقية التي يبعثها الله لها عبر قانون العقاب التأديبي
الحل الحكيم الوحيد أن تفهم لماذا سلط الله عليها لباس الجوع و الخوف
أن تفهم الغاية من الرسالة ..
و الغاية هي : لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن ...
إن لم تفهم – فرضاً - هذه القرية رسالة السماء
فقررت تصعيد منهجها القديم
عندئذ يأتي العذاب الأكبر ، عندئذ يأتي الفناء من مالك الملك الذي يؤتي الملك من يشاء و ينزع الملك ممن يشاء
عندئذ تأتي الفتنة الحالقة والتي يهلك فيها الملوك و اصحاب الكنوز و صريح العرب و صريح الموالي وتنجلي عن أقل من القليل
عندئذ يأتي العقاب التدميري الذي يتجلى فيه مكر الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52)
/النمل/
وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)
/الاسراء/
وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴿١٣٧ ﴾
/ الأعراف /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نـور ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن أردتم أن تعرفوا إلى أي مدى يمكن أن يكون مكر الله في العقاب التدميري
تذكروا كيف خرج موسى من قصر فرعون
وللحديث بقية ... إن شاء الله

تعليقات
إرسال تعليق